فوزي آل سيف

60

أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة

ثم مر في ذكر أشعاره التي تعرب عن عدم اعتقاده بالرسالة والقيامة، وقال بعدها: "قلت: ولما لعنه جدي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا فقال جدي (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم: أنّ جماعة سألوا جدي عن يزيد فقال: ما تقولون في رجل ولّي ثلاث سنين في السنة الأولى قتل الحسين في الثانية أخاف المدينة وأباحها وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها، فقالوا: نلعنه، فقال: فالعنوه. وقال جدي في كتاب (الرد على المتعصب العنيد) قد جاء في الحديث: لعن من فعل ما لا يقارب عشر معشار فعل يزيد، وذكر الأحاديث التي ذكرها البخاري[86] ومن ذلك الدفاع المستميت عن يزيد بن معاوية ما قاله أبو حامد الغزّالي[87] كما نقله عنه ابن كثير وغيره، فإنه في نفس الوقت الذي حرم فيه لعن يزيد ورأى أن من يلعنه فهو ملعون، رأى أن الترحم عليه مستحب! نسأل الله أن يحشره يوم القيامة مقرونا إلى يزيد بن معاوية! ولا ريب أن هذا هو الذي يحصل فإن (المرء مع من أحب) والذي يرى لعنه حراماً ولاعنه ملعوناً ويرى الترحم عليه مستحباً هو محب له. فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصًا فيه وهل كان مريدًا قتل الحسين رضي الله عنه، أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟ يُنعم (أي الغزالي المفتي) بإزالة الاشتباه مثابًا، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا فهو الملعون" وفي تتمة

--> 86 ) المصدر ص ٢٦١ 87 ) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزّالي (بتشديد الزاي) الطوسي توفي سنة 505 هـ كان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقهِ أشعري العقيدة لازم أبا المعالي الجويني (الملقّب بإمام الحرمين)، فأخذ عنه معظم العلوم، ثم رحل إلى بغداد مدرسا ومفتيا أيام الوزير السلجوقي، ثم اتجه للتصوف واعتزال الناس وفي هذا التوجه ألف كتابه المشهور (إحياء علوم الدين). يرى باحثون بأنه كان لالتصاقه بالعباسيين والسلاجقة فقد هاجم الاسماعيلية والشيعة نظرا للصراع السياسي بين الدولتين حيث كان الفاطميون في مصر وجامعهم الأزهر المعروف، فألف في تأييد السلاجقة بأمر المستظهر بالله (كتاب المستظهرية) وذم الاسماعيلية (فضائح الباطنية) ولا نعلم هل كان تنزيهه لبني أمية ويزيد على وجه الخصوص وفتواه بعدم جواز لعنه وإنما استحباب الترحم عليه هل يأتي في هذا السياق أو لا حيث أن السلاجقة على وجه الخصوص كانت توجهاتهم متعصبة فيما يرتبط بالتاريخ الاسلامي. كذلك لا نستطيع التأكد من أن هذا الانسياق التام مع الحالة السياسية (العباسية والسلجوقية) هو الذي جعله يتوقف عن التدريس قائلا إن نيته فيه لم تكن خالصة لله.. كما قال في كتابه المنقذ من الضلال، وقد ألف عددا كبيرا من الكتب؛ من أهمها إحياء علوم الدين كما تقدم والمستصفى في علم اصول الفقه، وتهافت الفلاسفة، والوسيط في فقه الإمام الشافعي..